إخوان الصفاء
6
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
ومنذرين وأنزل معهم الكتاب » ثم قال : « واللّه يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم » . واعلموا أيها الإخوان ، أيدكم اللّه وإيانا بروح منه ، أنه لا يمكن الوصول إلى هناك إلّا بخلّتين : إحداهما صفاء النفس ، والأخرى استقامة الطريقة . فأما صفاء النفس فلأنها لبّ جوهر الإنسان ، فإن اسم الإنسان إنما هو واقع على النفس والبدن . فأما البدن فهو هذا الجسد المرئيّ المؤلف من اللحم والدم والعظام والعروق والعصب والجلد وما شاكله ، وهذه كلها أجسام أرضيّة مظلمة ثقيلة متغيّرة فاسدة . وأما النفس فإنها جوهرة سماوية روحانيّة حيّة نورانية خفيفة متحركة غير فاسدة علّامة درّاكة لصور الأشياء ، وإن مثلها في إدراكها صور الموجودات من المحسوسات والمعقولات كمثل المرآة ، فإن المرآة إذا كانت مستوية الشّكل مجلوّة الوجه ، تتراءى فيها صور الأشياء الجسمانية على حقيقتها ؛ وإذا كانت المرآة معوجّة الشكل ، أرت صور الأشياء الجسمانية على غير حقيقتها ، وأيضا إن كانت المرآة صدئة الوجه ، فإنه لا يتراءى فيها شيء البتّة . فهكذا أيضا حال النفس ، فإنها إذا كانت عالمة ولم تتراكم عليها الجهالات ، طاهرة الجوهر لم تتدنّس بالأعمال السيّئة ، صافية الذات لم تتصدّأ بالأخلاق الرديئة ؛ وكانت صحيحة الهمّة لم تعوجّ بالآراء الفاسدة ، فإنها تتراءى في ذاتها صور الأشياء الروحانية التي في عالمها ، فتدركها النفس بحقائقها ، وتشاهد الأمور الغائبة عن حواسّها بعقلها وصفاء جوهرها ، كما تشاهد الأشياء الجسمانية بحواسّها ، إذا كانت حواسّها صحيحة سليمة . وأما إذا كانت النفس جاهلة غير صافية الجوهر ، وقد تدنّست بالأعمال السيئة أو صدئت بالأخلاق الرديئة أو اعوجّت بالآراء الفاسدة واستمرت على تلك الحال ، بقيت محجوبة عن إدراك حقائق الأشياء الروحانيّة ، وعاجزة عن الوصول إلى اللّه تعالى ، ويفوتها نعيم الآخرة كما قال اللّه تعالى : « كلّا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون » .